عبد السلام مقبل المجيدي

267

تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم

ويرى المتأمل في الآية أن هذا التتابع للمؤكدات من أعظم وسائل ترسيخ اليقين بكلام رب العالمين ؛ إذ يقع في فؤاد المتحمس استلزام أن تنقطع أفئدة المعاندين عن إظهار العناد على الأقل في كلام اللّه سبحانه وتعالى ، إما لضرورة غيرة اللّه سبحانه وتعالى على كلامه ، أو لضئلة مكرهم بالغا ما بلغ إزاء جبروت اللّه عزّ وجل . . . فتتالت المؤكدات إمعانا في ترسيخ سنن اللّه جلّ جلاله الخاصة بهذه الدار التي لا تزن عند اللّه سبحانه وتعالى جناح بعوضة « 1 » . ب - الوصف الدقيق لهيئة إفساد الشيطان عقول القوم وقلوبهم عندما يريد الأنبياء إصلاحهم : إذ إن إصلاح الناس أمر عزيز عسير المنال فسماه اللّه عزّ وجل أمنية « 2 » ، ثم إن الأنبياء عند ممارسته يضادهم الشيطان في سعيه الحثيث لإعدام الخير ، أو الحيلولة بينه وبين الناس يلقي وسوسة في نفوس الناس تفسد محاولة الإصلاح ، ورشح استعارة الإلقاء - ويكون للأمر المحسوس - للأمر غير المشاهد شدّة فعله ، وقوة تأثيره حتى كأنه أمر محسوس ، وتقدير الآية : أدخل الشيطان في نفوس الأقوام ضلالات تفسد ما قاله الأنبياء من الإرشاد ، ومعنى إلقاء الشيطان في أمنية النبي والرسول : إلقاء ما يضادها ، كمن يمكر فيلقي السم في الدسم ، فإلقاء الشيطان بوسوسته : أن يأمر الناس بالتكذيب والعصيان ، ويلقي في قلوب أئمة الكفر مطاعن يبثونها في قومهم ، ويروج الشبهات بإلقاء الشكوك التي تصرف نظر العقل عن تذكر البرهان ، وذلك هو الصبر على الآلهة المذكور في قوله جلّ جلاله وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ " ص / 6 " ، وقال الآلوسي - رحمه اللّه تعالى - : " إذا قرأ شيئا من الآيات ألقى الشيطان الشبه والتخيلات فيما يقرؤه النبي صلى اللّه عليه وسلم على أوليائه ليجادلوه بالباطل ، ويردوا ما جاء به كما قال سبحانه وتعالى . . . وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ . . . " الأنعام / 121 " ، وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً . . " الأنعام / 112 " « 3 » .

--> ( 1 ) إشارة إلى الحديث المشهور ، أخرجه : البخاري 4 / 1759 ، مرجع سابق ، ومسلم 4 / 2147 ، مرجع سابق . ( 2 ) عند الآلوسي 17 / 257 : " التمني نهاية التقدير " ، قال : " والأمنية الصورة الحاصلة في النفس من التمني " . ( 3 ) روح المعاني 17 / 257 ، مرجع سابق .